الجمعة 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017

تجديد الوعد

الجمعة 10 تشرين الثاني (نوفمبر) 2017 par محمد الصياد

«إننا نشعر بالفخر من الدور الذي لعبناه في إقامة دولة «إسرائيل»، ونحن بالتأكيد سنحتفل بهذه الذكرى المئوية بفخر». كانت هذه كلمات رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أثناء ردها على أسئلة النواب الموالين ل «إسرائيل» في مجلس العموم البريطاني يوم الأربعاء 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. وحين عرّجت على الشعب الفلسطيني في تصريحها قالت بالحرف: «علينا أيضاً فهم الشعور الموجود لدى بعض الناس بسبب وعد بلفور». فالشعب الفلسطيني الذي يناهز تعداده اليوم اثني عشر مليوناً هو في عرف رأس الدولة البريطانية، لا يعدو أن يكون، حتى بعد مرور مئة عام على جريمة تشريده من مدن وقرى وطنه وتسليمها بالكامل لمهاجرين تم جلبهم من أوروبا ومن أصقاع العالم المختلفة، مجرد «بعض»!
هكذا إذاً، كل شيء بقي على حاله رغم مرور مئة سنة على إعطاء إشارة البدء لإطلاق النسخة الثانية من مشروع «الأبارتايد» الاستعماري الأوروبي، في القارة الآسيوية هذه المرة، وفي قلب عالمنا العربي، بعد «نجاح» نسخته الكولونيالية الإفريقية الأولى. فهل هي مصادفة أن ترد كلمة «أبارتايد» لأول مرة على لسان جان كريستيان سماتس في خطاب له في عام 1917، بالتزامن مع وعد الحكومة البريطانية المنسوب لوزير خارجيتها آنذاك آرثر بلفور في العام نفسه؟.. قبل أن يصبح ذلكم المستعمر الأوروبي بعد سنتين من «بشارته الأبارتايدية»، رئيساً لوزراء جنوب إفريقيا العنصرية في عام 1919، لتبدأ بعد ذلك عملية تجميع إرهاصات نظام الفصل العنصري «الأبارتايد» وتقنينه رسمياً اعتباراً من عام 1948، وهو نفس العام - ويا للمصادفة التاريخية البريطانية أيضاً وأيضاً(!!) - الذي أُنشئت فيه «إسرائيل» برعاية بريطانية كاملة وسافرة، وذلك تأسيساً على حزمة القوانين التي أنشأها الاستعمار البريطاني في مستعمرة الكاب ومستعمرة ناتال خلال القرن التاسع عشر، والتي «نظَّمت» حركة تنقل السود من المناطق القبلية إلى المناطق التي يحتلها البيض والملونون، وتلك التي كان يحكمها البريطانيون، وجملة القوانين المماثلة في أستراليا وكاليدونيا الجديدة! علماً أن جنوب إفريقيا خضعت للاستعمار البريطاني اعتباراً من القرن التاسع عشر قبل إعلان استقلالها عام 1933، مع إبقائها تحت مظلة التاج البريطاني عبر «رابطة الكومنولث» التي أنشأتها بريطانيا عام 1931.
و«الأبارتايد»، كما هو معروف، نظام يفصل عنصرياً بين المستوطنين البيض الحاكمين وبين السكان السود أصحاب الأرض الأصليين، ويعمد إلى تمييز وتفضيل الإنسان الأبيض على الإنسان الأسود في جميع المجالات. وكلمة «الأبارتايد» مستقاة من لغة «الأفريكان» (لغة المستوطنين البيض ذوي الأصول الهولندية)، ومعناها الفصل. وقد رفض العالم ترجمة هذه الكلمة إلى لغاته المختلفة، وأصر على إبقائها كما هي «أبارتايد» لتبقى شاهداً على حالة فريدة من العنصرية الرسمية الصريحة المُدبجة في نصوص قانونية صريحة.
نظام «الأبارتايد» انتهى في جنوب إفريقيا في عام 1990، لكن نسخته البريطانية الثانية مازالت قائمة في فلسطين. ومازالت بريطانيا تتباهى وتتفاخر بصلافة وعقلية الكولونيالي العتيق، بأنها صاحبة الفضل الأول في إطلاقها، وأنها لا تتردد في «تجديد بيعته». هذا على الرغم من أن العالم تغير من حولها، فيما هي لا تملك، بسبب نرجسيتها الإمبراطورية المتعالية، سوى معاندة التغيير، فيأتيها التغيير متجسداً في نزف النقاط في قواها الاقتصادية الخائرة، وتلاشي نفوذها السياسي، ليس في محيطها الأوروبي وحسب، وإنما في أنحاء أخرى من المعمورة التي كانت يوماً تحت سلطانها. إذ تبقى نخبتها الحاكمة التي تحتكر الحكم، تعاند بقوة رياح التغيير، لتظل على حالها كما كانت منذ بزوغها الإمبراطوري الاستعماري التوسعي، تعيش في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين بنفس العقلية الأمنية الاستعمارية التي لا تستطيع الفكاك منها، على ما هو واضح.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 29 / 575483

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع مقالات في الموقف  متابعة نشاط الموقع مشاركات الموقف  متابعة نشاط الموقع محمد الصيّاد   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

visiteurs en ce moment

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للمعركة- تشرين ثاني -2010