الجمعة 29 كانون الأول (ديسمبر) 2017

جزرة عميرام ووعيد هيلي!

الجمعة 29 كانون الأول (ديسمبر) 2017 par عبداللطيف مهنا

ما تحدَّث عنه الجنرال عميرام وما تتحرك من أجله هيلي يلتقي في نقطة واحدة. من الآن فصاعدا تعالوا لنتحدث فحسب حول مصير الـ40% من مساحة الضفة المتبقية مؤقتا بلا تهويد وانسوا ما عداه، وعن كيفية التوافق على شكل للإدارة الذاتية فيه لا أكثر، مع شرط التطبيع الكامل والشامل مسبقا مع العرب…أي حل نتنياهو “الإقليمي المسمَّى ترامبويا “صفقة القرن”!

عشية إعلان قرار ترامب إهداء القدس لنتنياهو عاصمةً أبدية لمحتليها، جرت مقابلةً تلفزيونية، لا علاقة مباشرة لها بالحدث، مع الجنرال عميرام ليفين، أحد رموز ما يسمّي نفسه “المعسكر الصهيوني”، أو ما يعتبرونه اليسار المعارض لائتلاف اليمين الحاكم بزعامة نتنياهو، والأكثر عادةً كلاما عن “السلام” و”حل الدولتين”… وبعد إعلانه، ومن ثم ما تلا من استخدام الولايات المتحدة لحق النقض “الفيتو” ضد مشروع القرار المصري المقدَّم لمجلس الأمن، والقاضي ببطلان القرار الأميركي دون الإشارة لصاحبه أو إدانة متخذه، والذي أجازه المجلس بكامل أعضائه، الدائمين وغير الدائمين، ما خلا الولايات المتحدة، فاستعاضة المجموعة العربية والإسلامية على الأثر بمشروع بديل بنفس مضمون الأول قدَّمته لاحقا للجمعية العامة للأمم المتحدة فأقرته بأغلبية الثلثين في اجتماعها الطارئ، ورغم أنه غير ملزم، استبقت نكي هيلي، المندوبة الأميركية لدى الهيئة الدولية، التصويت بتوجيه رسائل تحذير خطية، مردوفة بتغريدات تهديدية على تويتر، لعديد الدول الأعضاء في الجمعية بغية ثنيهم عن التصويت لصالح القرار.
لمؤشرات مواقف الجنرال التي أطلقها في مقابلته ومضامين رسائل الوعيد التي وجهتها المندوبة الأميركية للدول الأعضاء في المحفل الدولي من المعاني ما لا يجدر عدم التوقف عنده، لا سيما، ونحن في لجة من ما يثار حول قرار ترامب وما أثاره، ثم ما له من تداعيات فيما يتعلَّق بكل ما له علاقة بالاستراتيجي في سياقات مستقبل الصراع في فلسطين وعليها، وعلى الأمة العربية والمنطقة بأسرها.
قال عميرام: “أنا لا أتحدث عن السلام. السلام هو أمل”! إذن عن ماذا يتحدث؟ أردف: “يجب إدارة مفاوضات عنيدة وعدم العودة إلى خطوط 1967. وإذا لم يكونوا يرغبون (الفلسطينيون) في التقدُّم مع قيادة أبو مازن، التي يبدو أنها غير قادرة، فلتأت قيادات شابة، قيادة أكلت الوحل، بقيت في السجن ورأت أنه لا يمكن الانتصار علينا، نعطيها جزرة في صورة دولة. وإذا لم ترغب فسنمزّق لها الوجه. أنا أيضا كنت أريد بلاد إسرائيل الكاملة، ولمرات كثيرة أقول إنهم إذا خرقوا الاتفاقات، ففي المرة التالية التي نقاتلهم فيها لن يبقوا هنا، سنطيّرهم إلى ما وراء الأردن، هكذا ينبغي القتال فقد كنا طيّبين جدا في 1967″… وإذا هذا هو لسان حال أقلية حمائمهم قبيل قرار ترامب، فهل من داعٍ للتعرُّض له عند صقور غالبيتهم، وسواء قبل قراره أو من بعده؟!
هيلي في رسائلها، بالغة الفجاجة والطافحة بالوعيد حد البلطجة، ولاحقا في تغريداتها على تويتر، أنذرت من تهمها المساعدات الأميركية من الدول من مغبة التصويت لصالح مشروع القرار المقدَّم للجمعية العامة في اجتماعها الطارىْ. أخبرتها بأن رئيسها يتعامل مع الأمر “كمسألة شخصية”، وأنه “سيراقب التصويت بشكل دقيق، وطلب أن أبلغه عن البلدان التي ستصوت ضده”…لاحقا ندد ترامب بنفسه بـ”الدول التي تأخذ مالنا ثم تصوّت ضدنا”، متوعّدا: “دعوهم يصوّتون ضدنا، هذا سيوفر علينا الكثير”… وكان التصويت وتمرَّد العالم على البلطجة ورفض الابتزاز! 
ما بين المقابلة المتوعّدة ورسائل الوعيد، وعقب هدية ترامب التي قدَّمها لنتنياهو في نفس اليوم من ذات الشهر المصادف لمرور مئة عام لذكرى دخول الجنرال اللنبي المدينة إثر سقوطها وهزيمة الدولة العثمانية. يومها قال الجنرال البريطاني: اليوم انتهت الحروب الصليبية، والآن يفتي ترامب بأنها “العاصمة الأبدية للدولة اليهودية”… بين المقابلة والرسائل، تم تدشين مدينة تهويدية في الضفة بتوحيد أربع مستعمرات، وقال السفير الأميركي “حل الدولتين فقد معناه”، والمستعمرات “جزء من إسرائيل”، كما أعقب إعلان اعتبار واشنطن لحائط البراق جزءا من كيان الاحتلال، الإعلان عن افتتاح كنيس “فخم” تحت هذا الحائط استغرق إنجازه 12 عاما. 
ما تحدَّث عنه الجنرال عميرام وما تتحرك من أجله هيلي يلتقي في نقطة واحدة. من الآن فصاعدا تعالوا لنتحدث فحسب حول مصير الـ40% من مساحة الضفة المتبقية مؤقتا بلا تهويد وانسوا ما عداه، وعن كيفية التوافق على شكل للإدارة الذاتية فيه لا أكثر، مع شرط التطبيع الكامل والشامل مسبقا مع العرب…أي حل نتنياهو “الإقليمي المسمَّى ترامبويا “صفقة القرن”!
…أضف إليه الخلاصة الآتية: يقتضي التنويه بأنه، وعلى الصعيد الاستراتيجي، ما كان على عربي أن يداخله شك ولو لوهلة من أن قرار ترامب حول القدس لم يناقض، أو يخالف، أو يبدّل، في ثابت تاريخي أميركي إزاء الموقف من الصراع الدائر في بلادنا وعليها. كل ما فعله جديد ترامب هو التذكير، وبفجاجة قياسية طافحة بالعدوانية، كل من جهل أو تجاهل، لوهم كان، أم لانهزامية، أو طائلة تبعية، هذا الثابت، والذي هو كون بلاده كانت وستظل رأسا لجبهة أعداء أمتنا، والمحرك الرئيس لمتعدد أشكال العدوانية التي تواجهها ومتعهّد إدامتها، وأنه لم يعد يجوز للعرب التفريق بين أميركا وإسرائيلها… وله حسنتان: أتاح للتسوويين الفلسطينيين فرصةً لا تعوّض، لا يبدو أنهم سيقتنصونها، للتحلل من ربقة أوسلو وخطيئة الاعتراف بعدوهم، ويسَّر لهم الحركة في بيئة دولية شبه مجمعة على رفض فجور العدوانية الأميركية… ومرحليا، أوقف الاندلاق التطبيعي العربي المتصاعد مؤخرا…والأهم، أسقط منطق المساومة وأذكى فتائل المقاومة.


الصفحة الأساسية | الاتصال | خريطة الموقع | | إحصاءات الموقع | الزوار : 3 / 15126

متابعة نشاط الموقع ar  متابعة نشاط الموقع المفكرة  متابعة نشاط الموقع المقالات  متابعة نشاط الموقع عبداللطيف مهنا   ?    |    titre sites syndiques OPML   ?

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC

Creative Commons License

"تصدر عن الاعلام المركزي_ مفوضية الشؤون الفكرية والسياسية والاعلامية - تيار المقاومة والتحرير - قوّات العاصفة_ حركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح

الموادالصحفية الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي الصحيفة وجميع الحقوق محفوظة للموقف- تشرين ثاني -2010